فصل: تفسير الآية رقم (17):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان المشهور بـ «تفسير القرطبي»



.تفسير الآية رقم (15):

{مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ (15)}
قوله تعالى: {مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ} قال أبو جعفر النحاس: من أحسن ما قيل فيها أن المعنى من كان يظن أن لن ينصر الله محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنه يتهيأ له أن يقطع النصر الذي أوتيه. {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ} أي فليطلب حيلة يصل بها إلى السماء. {ثُمَّ لْيَقْطَعْ} أي ثم ليقطع النصر إن تهيأ له. {فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ} وحيلته ما يغيظه من نصر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. والفائدة في الكلام أنه إذا لم يتهيأ له الكيد والحيلة بأن يفعل مثل هذا لم يصل إلى قطع النصر. وكذا قال ابن عباس: إن الكناية في {يَنْصُرَهُ اللَّهُ} ترجع إلى محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو وإن لم يجر ذكره فجميع الكلام دال عليه، لان الايمان هو الايمان بالله وبمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والانقلاب عن الدين انقلاب عن الدين الذي أتى به محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أي من كان يظن ممن يعادي محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن يعبد الله على حرف أنا لا ننصر محمدا فليفعل كذا وكذا. وعن ابن عباس أيضا أن الهاء تعود على {مَنْ} والمعنى: من كان يظن أن الله لا يرزقه فليختنق، فليقتل نفسه، إذ لا خير في حياة تخلو من عون الله. والنصر على هذا القول الرزق، تقول العرب: من ينصرني نصره الله، أي من أعطاني أعطاه الله. ومن ذلك قول العرب: أرض منصورة، أي ممطورة. قال الفقعسي:
وإنك لا تعطي امرأ فوق حقه ** ولا تملك الشق الذي الغيث ناصره

وكذا روى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: {مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ} أي لن يرزقه. وهو قول أبي عبيدة.
وقيل: إن الهاء تعود على الدين، والمعنى: من كان يظن أن لن ينصر الله دينه. {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ} أي بحبل. والسبب ما يتوصل به إلى الشيء. {إِلَى السَّماءِ} إلى سقف البيت. ابن زيد: هي السماء المعروفة. وقرأ الكوفيون {ثُمَّ لْيَقْطَعْ} بإسكان اللام. قال النحاس: وهذا بعيد في العربية، لان {ثُمَّ} ليست مثل الواو والفاء، لأنها يوقف، عليها وتنفرد.
وفي قراءة عبد الله: {فليقطعه ثم لينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ}. قيل: {ما} بمعنى الذي، أي هل يذهبن كيده الذي يغيظه، فحذف الهاء ليكون أخف.
وقيل: {ما} بمعنى المصدر، أي هل يذهبن كيده غيظه.

.تفسير الآية رقم (16):

{وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (16)}
قوله تعالى: {وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ} يعني القرآن. {وَأَنَّ اللَّهَ} أي وكذلك أن الله {يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ}، علق وجود الهداية بإرادته، فهو الهادي لا هادي سواه.

.تفسير الآية رقم (17):

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (17)}
قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} أي بالله وبمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. {وَالَّذِينَ هادُوا} اليهود، وهم المنتسبون إلى ملة موسى عليه السلام. {وَالصَّابِئِينَ} هم قوم يعبدون النجوم.
{وَالنَّصارى} هم المنتسبون إلى ملة عيسى. {وَالْمَجُوسَ} هم عبد ة النيران القائلين أن للعالم أصلين: نور وظلمة. قال قتادة: الأديان خمسة، أربعة للشيطان وواحد للرحمن.
وقيل: المجوس في الأصل النجوس لتدينهم باستعمال النجاسات، والميم والنون يتعاقبان كالغيم والغين، والأيم والأين. وقد مضى في البقرة هذا كله مستوفى. {وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} هم العرب عبدة الأوثان. {إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ} أي يقضي ويحكم، فللكافرين النار، وللمؤمنين الجنة.
وقيل: هذا الفصل بأن يعرفهم المحق من المبطل بمعرفة ضرورية، واليوم يتميز المحق عن المبطل بالنظر والاستدلال. {إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} أي من أعمال خلقه وحركاتهم وأقوالهم، فلا يعزب عنه شيء منها، سبحانه! وقوله: {إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ} خبر {إِنَّ} في قوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} كما تقول: إن زيدا إن الخير عنده.
وقال الفراء: ولا يجوز في الكلام إن زيدا إن أخاه منطلق، وزعم أنه إنما جاز في الآية لان في الكلام معنى المجازاة، أي من آمن ومن تهود أو تنصر أو صبأ يفصل بينهم، وحسابهم على الله عز وجل. ورد أبو إسحاق على الفراء هذا القول، واستقبح قوله: لا يجوز إن زيدا إن أخاه منطلق، قال: لأنه لا فرق بين زيد وبين الذين، و{إن} تدخل على كل مبتدأ فتقول إن زيدا هو منطلق، ثم تأتي بإن فتقول: إن زيدا إنه منطلق.
وقال الشاعر:
إن الخليفة إن الله سربله ** سربال عز به ترجى الخواتيم

.تفسير الآية رقم (18):

{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (18)}
قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ} هذه رؤية القلب، أي ألم تر بقلبك وعقلك. وتقدم معنى السجود في البقرة، وسجود الجماد في النحل.
{وَالشَّمْسُ} معطوفة على {مَنْ}. وكذا {وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ}. ثم قال: {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ} وهذا مشكل من الاعراب، كيف لم ينصب ليعطف ما عمل فيه الفعل على ما عمل فيه الفعل، مثل: {وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً}؟ [الإنسان: 31] فزعم الكسائي والفراء أنه لو نصب لكان حسنا، ولكن اختير الرفع لان المعنى وكثير أبى السجود، فيكون ابتداء وخبرا، وتم الكلام عند قوله: {وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ}. ويجوز أن يكون معطوفا، على أن يكون السجود التذلل والانقياد لتدبير الله عز وجل من ضعف وقوه وصحة وسقم وحسن وقبح، وهذا يدخل فيه كل شي. ويجوز أن ينتصب على تقدير: وأهان كثيرا حق عليه العذاب، ونحوه.
وقيل: تم الكلام عند قوله: {وَالدَّوَابُّ} ثم ابتدأ فقال: {وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ} في الجنة {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ}. وكذا روي عن ابن عباس أنه قال: المعنى وكثير من الناس في الجنة وكثير حق عليه العذاب، ذكره ابن الأنباري.
وقال أبو العالية: ما في السموات نجم ولا قمر ولا شمس إلا يقع ساجد الله حين يغيب، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له فيرجع من مطلعه. قال القشيري: وورد هذا في خبر مسند في حق الشمس، فهذا سجود حقيقي، ومن ضرورته تركيب الحياة والعقل في هذا الساجد. قلت: الحديث المسند الذي أشار إليه خرجه مسلم، وسيأتي في سورة يس عند قوله تعالى: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها} [يس: 38]. وقد تقدم في البقرة معنى السجود لغة ومعنى. قوله تعالى: {وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ} أي من أهانه بالشقاء والكفر لا يقدر أحد على دفع الهوان عنه.
وقال ابن عباس: إن من تهاون بعبادة الله صار إلى النار. {إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ} يريد أن مصيرهم إلى النار فلا اعتراض لاحد عليه. وحكى الأخفش والكسائي والفراء: {وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ} أي إكرام.

.تفسير الآيات (19- 21):

{هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21)}
قوله تعالى: {هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} خرج مسلم عن قيس بن عباد قال: سمعت أبا ذر يقسم قسما إن {هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} إنها نزلت في الذين برزوا يوم بدر: حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث رضي الله عنهم وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة. وبهذا الحديث ختم مسلم رحمه الله كتابه.
وقال ابن عباس: نزلت هذه الآيات الثلاث على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالمدينة في ثلاثة نفر من المؤمنين وثلاثة نفر كافرين، وسماهم، كما ذكر أبو ذر.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إني لأول من يجثو للخصومة بين يدي الله يوم القيامة، يريد قصته في مبارزته هو وصاحباه، ذكره البخاري. وإلى هذا القول ذهب هلال بن يساف وعطاء بن يسار وغيرهما.
وقال عكرمة: المراد بالخصمين الجنة والنار، اختصمتا فقالت النار: خلقني لعقوبته. وقالت الجنة: خلقني لرحمته. قلت: وقد ورد بتخاصم الجنة والنار حديث عن أبى هريرة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «احتجت الجنة والنار فقالت هذه يدخلني الجبارون والمتكبرون وقالت هذه يدخلني الضعفاء والمساكين فقال الله تعالى لهذه أنت عذابي أعذب بك من أشاء وقال لهذه أنت رحمتي أرحم بك من أشاء ولكل واحدة منكما ملؤها». خرجه البخاري ومسلم والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
وقال ابن عباس أيضا: هم أهل الكتاب قالوا للمؤمنين: نحن أولى بالله منكم، وأقدم منكم كتابا، ونبينا قبل نبيكم. وقال المؤمنون: نحن أحق بالله منكم، آمنا بمحمد وآمنا بنبيكم وبما أنزل إليه من كتاب، وأنتم تعرفون نبينا وتركتموه وكفرتم به حسدا، فكانت هذه خصومتهم، وأنزلت فيهم هذه الآية. وهذا قول قتادة، والقول الأول أصح رواه البخاري عن حجاج بن منهال عن هشيم عن أبي هاشم عن أبي مجلز عن قيس بن عباد عن أبي ذر، ومسلم عن عمرو بن زرارة عن هشيم، ورواه سليمان التيمي عن أبي مجلز عن قيس بن عباد عن علي قال. فينا نزلت هذه الآية وفي مبارزتنا يوم بدر {هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} إلى قوله: {عَذابَ الْحَرِيقِ}. وقرأ ابن كثير: {هذان خصمان} بتشديد النون من {هذان}. وتأول الفراء الخصمين على أنهما فريقان أهل دينين، وزعم أن الخصم الواحد المسلمون والآخر اليهود والنصارى، اختصموا في دين ربهم، قال: فقال: {اخْتَصَمُوا} لأنهم جمع، قال: ولو قال: {اختصما} لجاز. قال النحاس: وهذا تأويل من لا دراية له بالحديث ولا بكتب أهل التفسير، لان الحديث في هذه الآية مشهور، رواه سفيان الثوري وغيره عن أبي هاشم عن أبي مجلز عن قيس بن عباد قال: سمعت أبا ذر يقسم قسما أن هذه الآية نزلت في حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب وعتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة. وهكذا روى أبو عمرو بن العلاء عن مجاهد عن ابن عباس. وفية قول رابع أنهم المؤمنون كلهم والكافرون كلهم من أي ملة كانوا، قاله مجاهد والحسن وعطاء بن أبي رباح وعاصم بن أبي النجود والكلبي وهذا القول بالعموم يجمع المنزل فيهم وغيرهم.
وقيل: نزلت في الخصومة في البعث والجزاء، إذ قال به قوم وأنكره قوم. {فَالَّذِينَ كَفَرُوا} يعني من الفرق الذين تقدم ذكرهم. {قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ} أي خيطت وسويت، وشبهت النار بالثياب لأنها لباس لهم كالثياب. وقوله: {قُطِّعَتْ} أي تقطع لهم في الآخرة ثياب من نار، وذكر بلفظ الماضي لان ما كان من أخبار الآخرة فالموعود منه كالواقع المحقق، قال الله تعالى: {وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ} [المائدة: 116] أي يقول الله تعالى. ويحتمل أن يقال قد أعدت الآن تلك الثياب لهم ليلبسوها إذا صاروا إلى النار.
وقال سعيد بن جبير: {مِنْ نارٍ} من نحاس، فتلك الثياب من نحاس قد أذيبت وهي السرابيل المذكورة في {قطر آن} [إبراهيم: 50] وليس في الآنية شيء إذا حمي يكون أشد حرا منه. وقيل: المعنى أن النار قد أحاطت بهم كإحاطة الثياب المقطوعة إذا لبسوها عليهم، فصارت من هذا الوجه ثيابا لأنها بالإحاطة كالثياب، مثل: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً 10} [النبأ: 10]. {يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ} أي الماء الحار المغلي بنار جهنم.
وروى الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إن الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ الحميم حتى يخلص إلى جوفه فيسلت ما في جوفه حتى يمرق من قدميه وهو الصهر ثم يعاد كما كان». قال: هذا حديث حسن صحيح غريب. {يُصْهَرُ 20} يذاب. {بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ} 20 والصهر إذابة الشحم. والصهارة ما ذاب منه، يقال: صهرت الشيء فانصهر، أي أذبته فذاب، فهو صهير. قال ابن أحمر يصف فرخ قطاة:
تروي لقى ألقي في صفصف ** تصهره الشمس فما ينصهر

أي تذيبه الشمس فيصبر على ذلك. {وَالْجُلُودُ} 20 أي وتحرق الجلود، أو تشوى الجلود، فإن الجلود لا تذاب، ولكن يضم في كل شيء ما يليق به، فهو كما تقول: أتيته فأطعمني ثريدا، إي والله ولبنا قارصا، أي وسقاني لبنا.
وقال الشاعر:
علفتها تبنا وماء باردا

{وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ} أي يضربون بها ويدفعون، الواحدة مقمعة، ومقمع أيضا كالمحجن، يضرب به على رأس الفيل. وقد قمعته إذا ضربته بها. وقمعته وأقمعته بمعنى، أي قهرته وأذللته فانقمع. قال ابن السكيت: أقمعت الرجل عني إقماعا إذا طلع عليك فرددته عنك.
وقيل: المقامع المطارق، وهي المرازب أيضا.
وفي الحديث: «بيد كل ملك من خزنة جهنم مرزبة لها شعبتان فيضرب الضربة فيهوي بها سبعين ألفا».
وقيل: المقامع سياط من نار، وسميت بذلك لأنها تقمع المضروب، أي تذلله.

.تفسير الآية رقم (22):

{كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (22)}
قوله تعالى: {كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها} أي من النار. {أُعِيدُوا فِيها} بالضرب بالمقامع.
وقال أبو ظبيان: ذكر لنا أنهم يحاولون الخروج من النار حين تجيش بهم وتفور فتلقي من فيها إلى أعلى أبوابها فيريدون الخروج فتعيدهم الخزان إليها بالمقامع.
وقيل: إذا اشتد غمهم فيها فروا، فمن خلص منهم إلى شفيرها إعادتهم الملائكة فيها بالمقامع، ويقولون لهم: {ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ} أي المحرق، مثل الأليم والوجيع.
وقيل: الحريق الاسم من الاحتراق. تحرق الشيء بالنار واحترق، والاسم الحرقة والحريق. والذوق مماسة يحصل معها إدراك الطعم، وهو هنا توسع، والمراد به إدراكهم الألم.